المنحة: يوميات طالبة فقرية في الجامعة الأمريكية
الحلقة الثانية: البجعة السوداء والسعي وراء الكمال الشناوي
-٢-
يمضغني القلق على مهل، ثم يبصقني بلا اكتراث على فراش لم أرتبه منذ أسبوعين. أمتعض من الفكرة. وأتكور على نفسي في وضع الجنين حماية لذاتي من خطر التفكير في أي فعل يحركني من مرقدي هذا. أنتظر من نفسي كل يوم أن أنشط أرتب سريري و غرفتي كما يجب لإنسان طبيعي أن يفعل! وأن أشرع النوافذ لاستقبال الهواء النقي و شعري المكتوم في عقدة يطيّره الهواء، و أبتسم بأسناني التي لم تطالها فرشاة لعدد من الأيام كفتيات اعلانات معجون الأسنان أو شامبو الشعر.
أفتح عيني على صفحة الحائط الأبيض الفارغة، أتخيلها محيط شاسع وعميق كالذي غرقت فيه السفينة تايتنك. يبتلعني كما ابتلع في جوفه چاك و ترك روز وحيدة على سطح خشبي تتشبث بالأمل في النجاة، بينما غرق جميع عازفي الكمان! .
أمكث هكذا في سريري على جنب واحد لا أتحرك نحو الساعة، لا أشعر بوخذ جنبي من قلة تقلبه إلا مع رنة إشعار من الهاتف هي كل ما يربطني بالعالم الخارجي.
أنتبه و أتقلب نحوه ببطء سلحفائي، إنه ايميل جديد من الجامعة. لا أتحمس لقرائته في الحال ، وبالطبع يمكث معلقا بلا رد كامرأة تنتظر وقوع يمين الطلاق عليها من زوجها البغيض المهمل كي تتحرر منه أخيرا.
اللاب توب ، رفيقي الذي لم أترك رفقته منذ خمس سنوات عليّ اليوم أن أودعه، فقد سئمني فيما يبدو وسئم من ترددي و نوبات اكتئابي المتتالية منذ أن عرفني، و سئم ساعات من البحلقة في سقف الغرفة وكل مهمته أن يعيد ويزيد في مقطع يوتيوب هو تسجيل إذاعة بس بي سي لحفل كونشيرتات باخ لآلة التشيللو بأداء العبقري "يو يو ما"..
تستفزني تلك العبقرية، بتغيظني بالأحرى! هذا الإصرار على، ليس فقط التعلم بل الاحتراف والإتقان الذي يبلغ حد المثالية و الكمال .. لطالما بحثت عن فكرة الكمال. وصلت مع أطبائي النفسيين الذين عرفتهم منذ أن أدركت أن ما أسقط فيه يحتاج إلى رأي متخصص، وكذلك جميع المعالجين النفسيين "الثيرابيستس"، أن ليس هناك شيء اسمه الكمال، سوى كمال الشناوي بالطبع أو كمال أبو رية وهو يعيد اكتشاف نفسه ككوميديان شاطر في مسلسله الأخير كارثة طبيعية، أو كمال الشيخ ! عبقري آخر تطال قامته هيتشكوك في سينما الإثارة والتشويق و خلق حكاية جاذبة تشدك من غُرَّة رأسك وراءها حتى نهاية الفيلم
.. فماذا يتبقى إذا للإنسان إن لم يكن الكمال دافعا محركا؟!
سنظل الإجابة معلقة هكذا كإيميلاتي المتراكمة في صندوق بريدي؟ بين الإحباط و الفشل أو التسويف حتى اللحظة الأخيرة؛ لأثبت لنفسي صحة زعمي أني فاشلة وغير قادرة على بلوغ الكمال ، يتفاقم بُغض الذات و عقابها بحرمانها من الحياة، و إماتتها حية بتوقفها عن كل فعل سيكون محكوم عليه مُسبقًا بالفشل بالضرورة ويظل طريدا لفردوس النجاح أو خارج كل معادلات الانجاز، فيتحطم وينزوي و يكلكع زيادة بنفس أداء الطبيب النفسي في فيلم أونكل زيزو حبيبي !
اللاب توب، رفيقي “صبحي الچيز ترك المكنسة وراح” بصوت زياد رحباني، أعامله كابن سيسافر للمرة الأولى في حياته في رحلة بعيدا عن حضني، سيتشاركه معي أغراب آخرين، يعبثون بأزراره ويطلعون على ما بداخله (أفكاري غير المكتملة) سينتهكونه و يهتكون براءته و عذريته و يدسون كل أصابعهم في مؤخرته البريئة ليخرجوا كل ما في جوفه البريء إلا من توقف مفاجيء قد حدث في بطاريته التي أعلنت وفاتها ربما احتجاجا على نمط حياتي الذي استسلم لفكرة أنني عالة على طلب العلم وأن مثلي لا يستحق أن يعيش ليوم الثلاثاء بتعبير اللمبي ! فانطفأ هكذا فجأة وبدون حتى مقدمات، بالظبط كانطفائي النفسي المفاجئ. كأنه أراد لي ذراعي، أو أن يلقنني درسًا، أو أن يمارس معي تفاوضًا ما . الجبان يدرك أن من ضمن ما أعاني الخوف من الهجران فأرفض كل تعلق، هل علم أنني تعلقت به فغادر ؟!
فرج
اشتغلت كثيرا لسنوات على تلك المسألة، فأصبح اللي يمشي يمشي زي بعضه يبقى فضّى سكة للي بعده بصوت عمرو دياب! فلماذا انتابني هذا الجزع من فكرة أن اللاب توب مريض و بحاجة إلى طبيب يطبّه بصوت عمرو دياب أيضًا، و يداوي ما به من أوجاع ، ويسمع شكواه من طول عشرة شخص مثلي أكله التعب، شخصية تنهك داخلها فلا تترك فيه مساحة للطبطبة أو حب الذات. أحاول مؤخرا أن أتعلم كيف أحب ذاتي و أقدرها، بل وأن أسامحها. لكن كيف لا أقدر أفكاري النابعة من ذاتي، وكيف لا أشجع ذاتي و أدفعها على الفعل، ومن جملة الفعل الخطأ البشري الوارد، و قبول هذا الخطأ بل واحتضانه والاحتفاء به ، فكما كان يقول أستاذا لي الإنسان يتعلم من الخطأ أكثر مما يتعلم من الصواب.
يخطر لي تحفة دارين أرنوفسكي السينمائية و شخصية البالرينا في فيلم Black Swan التي كانت تتطلع لأداء مثالي حتى أدمى قدميها طول التمرين و صارت خيالا من نقص الوزن و تجنب السكريات، تأكل بالكاد لتساعدها خفتها على الطيران كورقة لا وزن لها، و أداء الحركات الصعبة كإبرة أو خِلَّة تنظيف أسنان. المثالية تتطلب تضحية و إفناء الذات، وهذا ما حدث في نهاية الفيلم عندما امتزجت تماما وتماهت في أداء دور البجعة السوداء، حتى خُيَّل لها أن نبت تحت ذراعيها ريشًا أسودًا، تحولت لتكون بجعة سوداء بالفعل! .. ذلك هو التحدي، فما التحدي في دور البجعة البيضاء الطيبة الخيّرة، الذي يستفز قدراتها و يشحذ همتها لأدائه؟ كيف يتثبت براعتها إلا إذا أثبتت قدرتها على الانسلاخ من البياض إلى السواد بخفة ورشاقة البالرينا نفسها!
كلنا نتطلع لأداء دور البجعة السوداء و لكن من منا قادر أن يبذل من تضحيات في سبيله؟ بمجرد أن نطق مدرب الفرقة كلمة perfect عند بلوغها قمة الأداء سقطت على الأرض ولم نعد ندري هل ماتت أم هو مجرد إعياء و مع طلب المساعدة الطبية لها تركنا الفيلم في نهاية مؤلمة مفتوحة في تهويمات و مرواحات بين الوهم والحقيقة، فالتبس علينا أيهما حدث لها؟! تلك المسكينة التي قتلها وهم الكمال الشناوي !
الطريف في الأمر، أنني في جلسة علاجي مع الثيرابيست اليوم أخبرها عن يومياتي التي بدأت في كتابتها وأنني أكتب نصًّا عن فكرة الكمال التي تعوقني عن الفعل لكني لا أستطيع نشرها، سألتني وما السبب؟ قلت أنني بحاجة لإعادة مشاهدة فيلم بجعة سوداء لأستوثق من بعض التفاصيل ومراجعة كتاب ومقالات .. أوقفتني قائلة: أليس هذا بحثا عن كمال؟ لماذا لا تنشريها كما هي وماذا سيضيف لكي أن تجري أبحاثا عن خاطرة يومية!
ضحكت من الفكرة طويلا، وتذكرت بابا يوسف في مسلسل الحقيقة والسراب، أنت بتستعبط ياله !
اليوم حدث ما أبهجني بصدق لدرجة الرقص طوال النهار على أغنية علي صوتك علي صوتك بالغُناااا، عندما قرأت خبرا من مهرجان القاهرة السينمائي أن فيلم المهاجر كامل العدد.
الفيلم ده في وقته اتقدم للمحاكمة و يمكن مأخدش حظ في عرضه النهاردة وبعد ٣٢ سنة طوابير واقفة عشانه، العبقرية مش بتتفهم في زمنها ويوسف شاهين أكيد سعيد و بيخرج لسانه بشقاوته المعهودة لكل اللي وقف ضده وضد التحفة الفنية دي..يوسف شاهين كان فيلمه بيتشال بعد أسبوعين لصالح إسماعيلية رايح جي للصالح التجاري .. امبارح كامل العدد و طوابير واقفة تحجز المهاجر مش مصدقة مش ممكن، بس ده "المصير" اسم فيلمه اللي أخرجه بعد و رد على أزمة فيلم المهاجر .. مصير كل عبقرية بتتهاجم في زمنها و تتفهم و تتقدر بعد ما يموت صاحبها .. ابن رشد انحرقت كتبه.. لكن چو قالنا الأفكار لها أجنحة .. أنا بكتب ليه ولمين طالما اللي بكتبه مبيوصلش لحد ؟ .. يوسف وصّل نسخ كتبك لفرنسا والناصر لمصر .. و لسه الأغاني ممكنة ممكنة ممكنة..
..
(متوقعين مني أحط صورة شاهين أو لينك الأغنية صح؟ .. مش قادرة .. مش لازم الكمال .. مش قلنا مفيش كمال! )
..
چو قالها صريحة: "مفيش عبقرية..ولا معجزات ده وهم.. فيه حاجة اسمها مجهود شغل بالساعات قوة إرادة مش تيجوا في وسط السكة وتفنيخوا" وفين الحب من كل ده؟
"حب! يا ويل الكروديا اللي يقع فيه .. ينحرق وينفلق ويلااا اللي بعده"
…
يُتبع..









